الشيخ محمد النهاوندي
205
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
في تفسير سورة الحشر بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 1 ) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ( 2 ) ثمّ لمّا ختمت سورة المجادلة المختتمة ببيان كون الكفّار والمنافقين حزب الشيطان ، وكون المؤمنين المخلصين حزب اللّه ، وأنّ الغلبة للّه ولرسوله ، وذمّ المنافقين على موادّتهم لليهود ، نظمت سورة الحشر المبتدئة ببيان عظمة اللّه ، وكونه غالبا غير مغلوب ، وبيان غلبته على الكفّار وذلّتهم ، وبيان موالاة المنافقين لهم ، فابتدأها بذكر أسمائه الحسنى بقوله : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ثمّ عظّم ذاته المقدّسة ببيان تسبيح جميع الموجودات له بقوله : سَبَّحَ لِلَّهِ ونزّهه عن كلّ ما لا يليق به جميع ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ذاتا وحالا ومقالا على حسبهم ، كما قال سبحانه : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وقال ابن مسعود : كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل « 1 » . ثمّ وصف ذاته المقدّسة بيانا لاستحقاقه التسبيح بالعزّة بقوله : وَهُوَ الْعَزِيزُ والغالب القاهر على كلّ شيء ، وبالحكمة البالغة بقوله : الْحَكِيمُ وتوطئته لبيان غلبته على أهل الكتاب وإذلالهم ، الذي هو من آثار عزّته ، وبيان إجلائهم الذي هو من مقتضيات حكمته بقوله : : هُوَ العزيز الغالب الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وهم طائفة بني النّضير مِنْ دِيارِهِمْ وأوطانهم في الوقت المقدّر لِأَوَّلِ الْحَشْرِ والإخراج من مكانهم إلى الشام . حكي أنّ بني النّضير وبني قريضة وبني قينقاع كانوا من أولاد هارون أخي موسى بن عمران ، نزلوا بيثرب ، واستوطنوا فيها انتظارا لبعثة النبي صلّى اللّه عليه وآله الموعود في التوراة ، فلمّا هاجر النبي صلّى اللّه عليه وآله من مكّة إلى المدينة ، عاهدهم على أن لا يكونوا له ولا عليه ، فلمّا ظهر صلّى اللّه عليه وآله يوم بدر قالوا فيما بينهم : هذا النبيّ إلى المدينة ، عاهدهم على أن لا له ولا عليه ، فلمّا ظهر صلّى اللّه عليه وله يوم بدر قالوا فيما بينهم : هذا النبيّ الموعود الذي نعته في التوراة أنه لا تردّ له راية ، فلمّا انكسر جيش النبي صلّى اللّه عليه وآله في أحد ، شكّوا ونكثوا
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 415 .